الأحيـاء الأموات
الفصل الخامس : أنفـاس ضاله
و أوشكـ منتصف الليل حين حاول أخوها الأصغر عماد مهاتفتها، لكن دون جدوى، فهاتفها خارج الخدمة .. مما خول لها فرصة تركـ رسالة صوتية..
أنذاكـ أمست رُؤى غارقة في نومها بعدما تذكرت كيف تقابلا ذات يوم، في منعطف طريق، أغلب الظن أنه ساكن جديد قطن هناكـ،
كان يشعر بالضياع وسط الزحام..
كانت روحه ضالة أيضا أثناء بحثه المستعصي عن مقر جمعية المكفوفين بضاحية تلكـ المدينة الصغيرة، حيث عجزت عصاه كما هي العادة عن حمله إلى السبيل الرشيد ..
في حين خرجت رؤى عجلى لأمرٍ ما، كانت عاطلة من الزينة، غير مرتبة لمظهرها، مهملة الملابس ..على شعرها وشاح شفاف، وعلى كتفيها حقيبة جلدية عتيقة ، لعلهما مستعاران من إحدى السيدات اللواتي بلغن من السن عتيا..
بالية المنظر بكل تفاصيلها!
كانت تشعر بنظراته التائهة تعانقها من بعيد رغم مرارة الموقف..
لذلكـ هرولت باتجاهه كالباحث عن ذاته، لكي تسوقه إلى الجمعية، كانت تستطعف نفسها أمامه، فقد كان أنيقا، وسيم الملامح، مشرق المحيا، رزينا في حديثه ، و الغريب في الأمر أن تلكـ النظارة السوداء زادت من وسامته،
ابتسم ما أن لمست يداه يديها، كان يعتقد أنه أحد المارة المتسارعين للخير،
ثم تفاقمت سعادته بسماع رنين صوتها العذب و هي تردد بصوت متقطع ..’’ هل لي أن أحملكـ إلى حيث تريد؟ أنت الآن بوسط البلدة ؟؟ إلى أين أنت ذاهب؟؟
فصمت فريد مطوّلا قبل أن يجيبها ،
كانت لمستها تلكـ، و صدى صوتها المدوي بالأعماق، كفيلين ليدركـ أنها من بين نواقص روحه، كان يشكـ بأن أشيائه الحلوة بهذه الدنيـا ضئيلة، لكنه يؤمن أن صاحبة ذلكـ الصوت بالذات إحدى تلكـ الأشياء القليلة، و النادرة جدا،،،
فمنذ الوهلة الأولى لم يتردد أحدهما من التشبت بيد الآخر ، ولم يندما قط لأن علاقتهما تطورت حتى صار كل منهما لا يستطيع أن يتصور الحياة بدون الآخر ،
بل ولا يستطيع أن يفكر لنفسه دون أن يكون للآخر نصيب من ذلكـ التفكير ..
في تلكـ الليلة بالذات،،،
خرجا معا في هدأة الليل،
كانا يشعران بالتميز..
و كأنهما الوحيدان في هذا العالم،
تناسلتهما النجوم و الأفلاكـ..
نسيا الليل ، نسيا الظلام ونسيا واقعهما أيضا..
وكان في نسيان كل ذلكـ أكبر لذة وسعادة ،’
لم تكن رؤى لتؤمن بأن الحب وحده قادر أن يطفح الأنوثة من جسمها فيغمرها رقة و غنجا، لولا احتواء فريد لشتاتها الضائع بين صفحات زمنها الردئ ..
كان إحساسا جديدا من نوعه يهمس بأعماقها خلسة، مبهما من حيث ملامحه فلم يكن من السهل عليها تجاهله ولا حتى تداركه..
كان جملة من المعاني النبيلة كفيلة بأن تؤرق فيها كل معاني اليتم و الإضطهاد ..
و شعورا مرهفا بارزا..
هيهات لجدران الصمت أن تحجب أضوائه..
….
و مضت عقارب الساعة في تعاقب ثانية بعد أخرى في حين كانت رؤى تغوص بأحلامها الزهرية داخل بحر الهوى العميق الذي لم تكن تدركـ له قراراً.. ولامنقذا سوى فريد،
ذلكـ الشاب الذي حظي بالبصيرة بدل البصر، البسيط بطبيعته و الصبور في قهره، القنوع بإرادته، المتذوق للأدب و لمعانيه السامية، و أحيانا كانت تجد فيه ناقذا لبعض تفاصيل الحياة و أسرارها الدفينة ثم فيلسوفا واعيا.. ،
لم يكن بائسا كما كان مفترضا، بل إن عزيمته قادرة أن تنخر الصخر لتنحث إسمها عليه..
لذلكـ كان من السهل أن تتخد منه ملاذا000
بل أمسى دنياها و أسرها المكين
…
ثم انتصر الفجر أخيرا وبدأت سحب العتمة تتبدد في انهزام عسير..
فتسلل الضوء إلى شرفتها ليوقظها وقد عقدت عزمها، و أدركت أن لا مفر من مواجهة هذه الفطرة المتهجنة التي باتت تعتريها.. إلا بمصارحته بحبها و بضرورة إرتباطهما.
وماهي إلا لحظات حتى قصدت هاتفها بلهفة عظيمة.. كانت تهم بمهاتفة أخيها الأكبر، لأنه الأكثر تعاطفا معها و الذي طالما قدر حجم تضحياتها.
كانت ستسعد لو أنه باركـ حبهما و سعادتهما..
عندئذ توصلت برسالة من علبتها الصوتية بتاريخ أول ساعة من ليلة أمس
ابتسمت، وضخت السعادة بشرايينها ضخاً،
ترددت قبل فتحها، لأنها شعرت بالإرتباكـ، ربما كانت متوقعة صوت فريد وهو يزف لها بشرى احتمال ارتباطهما، أو ربما عرضا عفيفا لتعميق صداقتهما وتتويجها بزواج…
لكن هيهات !!
فالرسالة الصوتية التي كانت بانتظارها كانت بمثابة بركان ثائر فاض وحشية و إيلاما..
بالفعل ، لم تكن رسالة فريد كما كان محتملاً
بل رسالة صوتية من أخيها عماد
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ